مقـدمـة

أضحى موضوع الجزاءات الاقتصادية الدولية في الزمن المعاصر مركز اهتمام عالمي شديد؛ على الرّغم من أنه ليس موضوعاً حديثاًً؛ فقد قامت عصبة الأمم عقب الحرب العالمية الأولى بتضمين فكرة الجزاءات الاقتصادية؛ إذ تضمّنت المادة السادسة عشرة من عهد العصبة جزاءات اقتصادية ضد الدول التي تخالف الالتزامات التي فرضتها العصبة، وكانت هذه هي المرحلة الأولى من مراحل العلاقات الدولية التي عرف فيها نظام قانوني دولي يتم بموجبه توقيع جزاءات اقتصادية ضد دولة من الدول خالفت التزاماتها الدولية؛ غير أن هذا النظام جاء ضعيفاً وقليل الفاعلية من حيث كيفية صدور قرارات الجزاءات الاقتصادية المتعلقة به، ومن حيث كيفية تنفيذ هذه القرارات في حال صدورها.

إلا أنه مع ميلاد الأمم المتحدة ظهر نظام للأمن الجماعي أكثر تقدماً. وتضمّن هذا النظام جزاءات اقتصادية أكثر فاعلية؛ وذلك بما قرره في الفصل السابع من الميثاق من جزاءات اقتصادية ضد الدولة التي ترتكب فعلا على درجة معينة من الجسامة حدّدها الميثاق نفسه، وقد شهد الزمن المعاصر ممارسات عملية للمنظّمة تعلقت بتوقيع جزاءات اقتصادية ضد كثير من الدول؛ فاستخدام الجزاءات الاقتصادية كجزاء دولي يوقع ضد من يرتكب عملاً على قدر معين من الجسامة، أصبح في ظل الأمم المتحدة واقعاً لا شكّ فيه.

غير أن دور المنظمة في توقيع الجزاءات الاقتصادية لم يكن محل اهتمام كبير في أثناء الحرب الباردة؛ إذ لم تتم إثارته إلا مّرات قليلة؛ منها حالة جنوب أفريقيا وحالة روديسيا، وقد كان ذلك بسبب توازن القوى آنذاك. وقد نشط دور المنظمة بداية من عقد التسعينيات في إصدار قرارات الجزاءات الاقتصادية استناداً إلى الفصل السابع من الميثاق، وترتب على ذلك ضرورة تأمل الطبيعة القانونية لهذه الجزاءات. وقد اختلفت درجة فاعلية هذه الجزاءات حسب الأحوال، كما تبنّى مجلس الأمن في ذلك ازدواجية المعايير، وقد نال الوطن العربي النصيب الأوفى من حالات فرض الجزاءات الاقتصادية، وقد تشدّد مجلس الأمن في تنفيذها على الدول العربية، في حين أظهر عجزاً واضحاً وغير مفهوم في حالات أخرى، وقد ترك تطبيق هذه الجزاءات آثاره المدمرة على الأوضاع الإنسانية لهذه الدول، وكذلك على حقوق الإنسان.

ونظراً لتعدد القضايا التي أقدمت عليها الأمم المتحدة بفرض جزاءات اقتصادية على بعض الدول الأعضاء في المنظّمة، وحتى يسهل التحليل واستنباط النتائج وقع الاختيار على قضيتين هما: قضية العراق، وقضية ليبيا؛ وذلك في إطار من الدراسة المقارنة، ويرجع اختيار الباحث لهاتين الحالتين إلى عدة أسباب يمكن إجمالها في الآتي:
1 - تشابه آلية إصدار الجزاءات الاقتصادية على كل من العراق وليبيا، وإن تفاوتت درجة هذه الجزاءات وتنوّعت في الأبعاد واختلفت في الآثار.
2 - الاتفاق الزمني للقضيتين محل الدراسة: فقد عاصرت القضيتان انتهاء الحرب الباردة، ووقعتا في إطار النظام العالمي الجديد أحادي القطب الّذي هيمن على دول العالم واخترق القوانين والأعراف الدولية، فانقلبت موازين القوى واختلفت مفاهيم المصالح والأغراض السياسية.
3 - الاختلاف في طبيعة كل من القضيتين: فبينما اكتست قضية ليبيا بطابع داخلي يتعلق بتسليم اثنين من رعايا الدولة إلى دولة أخرى؛ مثلت مشكلة العراق اعتداء على سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة. إلا أن الجزاءات تحولت إلى جريمة إبادة جماعية أنهكت الدولة والشعب وانتهكت حقوق الإنسان.
4 - الأهمية الاستراتيجية لكلتا المنطقتين: فمنطقتا الخليج وليبيا تمثلان بما فيهما من نفط أهمية خاصة للعالم الغربي، بالإضافة إلى الدور السياسي المهم الذي تلعبه ليبيا في الوطن العربي وأفريقيا؛ وقد عالج مجلس الأمن القضيتين وفق الاعتبارات السياسية للدول الخمس في مجلس الأمن تجاه كل من القضيتين.
5 - وجود بعض أوجه الاختلاف والتشابه بين القضيتين؛ الأمر الّذي يتيح المجال للمقارنة بينهما.

التالي